محمد بن الطيب الباقلاني

283

الإنتصار للقرآن

رواه ابن جريج عن يوسف بن ماهك « 1 » قال : « إني عند عائشة إذ جاءها عراقيّ فقال : أريني مصحفك ، قالت : لم ؟ قال : لعلّي أؤلّف القرآن عليه ، فإنّا نقرؤه غير مؤلّف ، قالت : فلا يضرّك أيّه قرأت قبل ، إنّما نزل أول ما نزل من المفصّل فيها ذكر الجنّة والنار ، حتى إذا تاب الناس نزل الحلال والحرام ، لقد أنزل بمكة - وأنا جارية ألعب - على محمد صلى اللّه عليه : وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [ القمر : 46 ] ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده » ، ثم أخرجت إليه مصحفا ، فجعلت تملي عليه . فهذا أيضا نصّ من عائشة رضوان اللّه عليها على سقوط فرض ترتيب سور القرآن ، وأنّه لا يجب أيضا تأليفه على تاريخ نزوله ، ولو قد كان من الرسول نصّ في ذلك يوجب العلم ويقطع العذر لوجب شهرته ، وأن تكون عائشة / أقرب الناس إلى علمه وأعرفهم به ، ولم تكن بالذي يقول : « لا تبالي بأيّة بدأت قبل » ، وهذا يدلّ على أنّهم كان مخيّرين في تاليف السور ، وكان مردودا إلى رأيهم واجتهادهم . فأما استدلال من استدلّ على إسقاط وجوب ترتيب السور والمصحف وتأليفها على ما هي به في الإمام بأنّ الرسول صلى اللّه عليه كان يقرأ في إحدى الركعتين بسورة ويقرأ في التي بعدها بغير التي تليها ، وأنّه كان يعلم أنّ في الناس من يتحفّظ السورة ويأخذ بعد الفراغ من حفظها في حفظ غير التي تليها ، وأنّ فيهم من يتعلّم المفصّل قبل الطّوال ويقتصر عليه ، وأنّ فيهم من يدرّس السور على غير هذا الترتيب الذي في المصحف ، فلا ينكر ذلك

--> ( 1 ) يوسف بن ماهك بن بهزاد الفارسي المكي ، ثقة من الثالثة ، مات سنة ستّ ومائة ، وقيل : قبل ذلك ، وماهك : بفتح الهاء . « التقريب » ( 2 : 345 ) .